مجموعة مؤلفين

278

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

فلما جاء عهد الخليفة عثمان وانحرف الناس عن مبادئ الاسلام وحقائق الايمان ، قام أبو ذر يعلنها حربا شعواء على كل منحرف ومعاند ، قد استهوته الحياة ومادياتها ، ( 1 ) حتّى صرفته عن دينه وانسانيته . فلم يترك مسجدا ولا حلقة ولا مجلسا إلا استغله لتوجيه الناس والهاب عواطفهم الطيبة ونبذ عاداتهم السيئة . دون أن يساوره خوف أو هلع ، أو يفتّ في عضده وهن أو ضعف . ومم يخاف وهو الذي لا يملك مالا فتأخذه الدولة ، ولا أرضا فتستملكها ، ولا دارا فتصادرها ولا وظيفة فتصرفه عنها . انه لا يملك من حطام الدنيا شيئا فيخاف عليه ، فعاد لا يخاف إلا اللّه . لقد قطع عن نفسه كل علائق المادة فأصبحت نفسه حرة بكل معاني الصفاء والتحرر . انظر اليه وقد قام خطيبا في الناس يصور ما آلت اليه الأمور في عهد عثمان ، ويستكر مظاهر الانحراف التي حصلت ، فيقول : « لقد حدثت أعمال ما أعرفها . والله ما هي في كتاب اللّه ولا سنّة نبيهّ . والله إنّي لأرى حقا يطفا ، وباطلا يحيا ، وصادقا مكذّبا ، وأثرة بغير تقى . يا معاشر الأغنياء وأسوأ الفقراء . وبشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللّه بمكاو من نار ، تكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم » . « اتخذتم ستور الحرير ونضائد الديباج ، وتألمتم الاضطجاع على الصوف الاذربي ، وكان رسول اللّه ( ص ) ينام على الحصير . واختلف عليكم بألوان الطعام ، وكان رسول اللّه ( ص ) لا يشبع من خبز الشعير » . وعاش أبو ذر طوال حياته ، ينفق ماله على اليتامى والمحرومين ، ويوزع حصيلة أتعابه على الفقراء والمعسرين ، وقد وقف نفسه لخدمة المساكين والمحتاجين ، يدافع عن حقوقهم ويعرّض نفسه للهلاك من أجلهم ، حتى نفي إلى صحراء ( الرّبذة ) ، وهي مكان بين المدينة والشام . فعاش هناك تحت خباء خيمته وحيدا فريدا مع زوجته . وصدق فيه قول النبي ( ص ) : « يا أبا ذر ، تمشي وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك » . فكان فقره هذا أعظم الغنى ، وكانت فاقته تلك هي أعظم السعة . وكان وهو في سجنه في منفاه ، أعظم إنسان حر عرفته البشرية . ولتلك حال من ينسلخ من علائق المادة والتراب ، ليصبح نورا متألقا فوق السحاب . وحانت من أبي ذر التفاتة إلى زوجته ، وقد أدركه النّزع الأخير ، فطفق يبكى . فقالت له زوجته : أجزعا من الموت تبكي يا أبا ذر وأنت الصادق الصدوق قال : لا يا أمة اللّه ، ولكني تذكرت وصية رسول اللّه لي ، حين قال : « يا أبا ذر إياك أن تموت وقد خلّفت قيراطين » فنظرت زوجته إلى ما حولها لترى ما ترك زوجها في خيمته ، فلم تجد غير حصيرة بالية وإبريق يشرب منه وآنية يغتسل بها .

--> ( 1 ) قد تقدّم أنّ صرخته كانت في وجه الّذين يستأثرون بأموال بيت مال المسلمين لأنفسهم .